الديجور
06-26-2009, 03:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وما أهديكم إلا سبيل الرشاد
إن من الدروس العظمى التي تقدّمها مدرسة موسى عليه السلام عدم الاغترار بالمصطلحات !
وإن كانت الكلمة ذات خطرٍ عظيم ، وشأن جسيم لدى من يعرف رسالة الكلمة ، فإن هناك من لا يبالي أين وقعت كلماته ، وليس الكلام إلا إحدى وسائله في إغواء الآخرين ..
فسلوك سبيل الرشاد أمر مطلوب ، ويسعى له الجميع ، الرشاد الديني والدنيوي ، الذي يضمن للإنسان الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة ، ومصطلح " سبيل الرشاد " مصطلح برّاق، له زخمه وحضوره، ويعتبر من الكلمات الجماهيريّة التي تؤثر في قلوب الجماهير بمجرّد النطق به ..
ولكن الكلمة لا تعني شيئاً إن لم يكن وراءها رصيد من الواقع ، رصيد من المصداقيّة ، الكلمة ليست بذات بال إن كانت خاوية من الهدف، إنما تطلق باعتبارها تزويقاً لغويّا خطابيّا لا غير !
يقول فرعون لقومه مبرراً سلوكه وتصرفه تجاه دعوة موسى : " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " فهو يستخدم المصطلح البرّاق ، تماماً كاستخدامه مصطلح الفساد ليعبّر عن نهج موسى : " أو أن يظهر في الأرض الفساد " ومصطلح الإخراج من الأرض " يريد أن يخرجكم من أرضكم ، فماذا تأمرون" ؟ ومصطلح الطريقة المثلى : " ويذهبا بطريقتكم المثلى" !! إنّها كلمات خاوية يستخدمها المفسدون لإثارة الرأي العام ، وتوجيهه وجهة يريدونها ..
وفي المقابل يأتي مؤمن آل فرعون بنفس المصطلح " سبيل الرشاد " ليستخدمه قائلا : " وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " إذن الكلمة ليست دليلا ، وإنّما تحتاج إلى دليل ، ولا يبرهن بالكلمة وإنّما يبرهن لها ..
فهنا منهجان متغايران بل متضادّان كلاهما يزعم إرادته سبيل الرشاد ، كلاهما يزعم الوسطيّة ، كلاهما ينادي بالوطنيّة !! فأيّهما الحق ، وأيّهما الباطل ؟
إن الكلمة إنتاج محايد ، يستخدمه الجميع ، تماماً كالسيف الذي تمسكه يد المصلح ، ويد المفسد ! وكالسهم الذي يرمي به المؤمن ، والكافر على حد سواء .. فليست الكلمة كافية لإقناع الإنسان بتغيير منهجه ، وطريقته ، لا بد من النظر إلى البراهين ، والأدلة ، والطريقة العامّة ..
إن واقع الإنسان هو المُحْكَم من أمره ، بينما كلماته تعد من متشابهه الذي يرد إلى محكمه ، لا العكس ..
فرؤيا الأذان من الفاسق يُذكّر بـ " ثمّ أذن مؤذن أيتها العير إنّكم لسارقون " ورؤيا الأذان من الصالح يذكر بـ" وأذن في الناس بالحج .." فواقع الحال أبلغ من المقال ..
إن براهين فرعون على سبيل الرشاد الذي ينادي به هي استخدامه للسحر والشعوذة ، وادّعاؤه الألوهيّة ، وسخريته من خصمه ، وتقتيل أبناء الذين آمنوا ، وإيذاؤه بني إسرائيل قبل إتيان موسى وبعد مجيئه ! هذا هو سبيل الرشاد عند فرعون .. "وما أمر فرعون برشيد ! "
بينما مؤمن آل فرعون يدعو قومه إلى سبيل الرشاد .. ويبرهن عليه بأنّه يدعو إلى مقتضيات النجاة ، بينما فرعون يدعو إلى مقتضيات النار .. ويفصّل ويبرهن ويجادل بالمنطق تارة ، وبالموعظة تارة .. هنا الاختلاف يتّضح ، وسبيل الرشاد يبدو جليّا..
هناك دائرة يحسن الحديث عنها بما أنّنا تحدّثنا عن سبيل الرشاد، هذه الدائرة لها علاقة بسبيل الرشاد ، إنّها دائرة الصرف عن الآيات !! تبدأ من الآية وتنتصف بالآية وتنتهي إلى الآية ، يقول الله تعالى : " سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق "
هنا الصرف عن الآية .. بسبب التكبّر .. وليس هناك متكبر كالذي ادّعى الربوبيّة !!
ثم يقول سبحانه : "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " وإن ادّعوا أنّهم يهدون إليه !!
" وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا " وإن زعموا أنّهم يتبعون الطريقة المثلى !!
ولكن ما هو سبب الصرف عن الآيات ، لنكمل الآية : " ذلك بأنّهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين " !
إذن صرف فرعون عن الآيات لأنّه كذّب بالآيات !! ولقد كّذب بالآيات لأنّه صرف عنها .. فأصبح إن رأى كل آية لا يؤمن بها ..
ويسطع في الآية وصفٌ مهم جداً وهو " الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " إنّ التكبر على الحق ، والتعالي عليه هو سر الصرف وسر عدم الإيمان بالآيات وسبب التكذيب بالآيات .. ألم يقل ذلك المتكبّر : " وإنّا فوقهم قاهرون " ؟ ألم يقل : " وقد أفلح اليوم من استعلى " ؟ إذن هو ممن يريدون علوّا في الأرض وفساداً فيها ..
إن دعا أحدهم إلى الوسطيّة ، فينظر إلى واقع حاله ، ينظر إلى مراده !! فكلمة الوسطيّة من حيث هي حروف لها معنى معجمي معروف ، ولكن الأهم هو ماذا تعني هذه الكلمة في عقل ناطقها !!
أهل السنة يقولون إن جاء أحدهم باسم لله لم يرد في كتاب ولا سنّة ( كالجهة ، والحيّز والجسم ) نتوقف عن الاسم فلا نثبته ولا ننفيه ، ونسأله : ماذا تعني بهذا الاسم ( لاحظ الاهتمام بالمعنى ) .. فإن وصف وصفا يؤيّده الكتاب والسنة أثبتنا ذلك المعنى وإلا نفيناه ..
فما هي الوسطيّة ؟ وما هي الوطنيّة ؟ وما هي الديموقراطيّة ..الخ !! وبهذا نصل إلى أن تحرير المصطلح خطوة مهمّة أوّلية في أي حوار ناجح مثمر ..
على بن جابر الفيفي
المصدر ياله من دين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وما أهديكم إلا سبيل الرشاد
إن من الدروس العظمى التي تقدّمها مدرسة موسى عليه السلام عدم الاغترار بالمصطلحات !
وإن كانت الكلمة ذات خطرٍ عظيم ، وشأن جسيم لدى من يعرف رسالة الكلمة ، فإن هناك من لا يبالي أين وقعت كلماته ، وليس الكلام إلا إحدى وسائله في إغواء الآخرين ..
فسلوك سبيل الرشاد أمر مطلوب ، ويسعى له الجميع ، الرشاد الديني والدنيوي ، الذي يضمن للإنسان الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة ، ومصطلح " سبيل الرشاد " مصطلح برّاق، له زخمه وحضوره، ويعتبر من الكلمات الجماهيريّة التي تؤثر في قلوب الجماهير بمجرّد النطق به ..
ولكن الكلمة لا تعني شيئاً إن لم يكن وراءها رصيد من الواقع ، رصيد من المصداقيّة ، الكلمة ليست بذات بال إن كانت خاوية من الهدف، إنما تطلق باعتبارها تزويقاً لغويّا خطابيّا لا غير !
يقول فرعون لقومه مبرراً سلوكه وتصرفه تجاه دعوة موسى : " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " فهو يستخدم المصطلح البرّاق ، تماماً كاستخدامه مصطلح الفساد ليعبّر عن نهج موسى : " أو أن يظهر في الأرض الفساد " ومصطلح الإخراج من الأرض " يريد أن يخرجكم من أرضكم ، فماذا تأمرون" ؟ ومصطلح الطريقة المثلى : " ويذهبا بطريقتكم المثلى" !! إنّها كلمات خاوية يستخدمها المفسدون لإثارة الرأي العام ، وتوجيهه وجهة يريدونها ..
وفي المقابل يأتي مؤمن آل فرعون بنفس المصطلح " سبيل الرشاد " ليستخدمه قائلا : " وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " إذن الكلمة ليست دليلا ، وإنّما تحتاج إلى دليل ، ولا يبرهن بالكلمة وإنّما يبرهن لها ..
فهنا منهجان متغايران بل متضادّان كلاهما يزعم إرادته سبيل الرشاد ، كلاهما يزعم الوسطيّة ، كلاهما ينادي بالوطنيّة !! فأيّهما الحق ، وأيّهما الباطل ؟
إن الكلمة إنتاج محايد ، يستخدمه الجميع ، تماماً كالسيف الذي تمسكه يد المصلح ، ويد المفسد ! وكالسهم الذي يرمي به المؤمن ، والكافر على حد سواء .. فليست الكلمة كافية لإقناع الإنسان بتغيير منهجه ، وطريقته ، لا بد من النظر إلى البراهين ، والأدلة ، والطريقة العامّة ..
إن واقع الإنسان هو المُحْكَم من أمره ، بينما كلماته تعد من متشابهه الذي يرد إلى محكمه ، لا العكس ..
فرؤيا الأذان من الفاسق يُذكّر بـ " ثمّ أذن مؤذن أيتها العير إنّكم لسارقون " ورؤيا الأذان من الصالح يذكر بـ" وأذن في الناس بالحج .." فواقع الحال أبلغ من المقال ..
إن براهين فرعون على سبيل الرشاد الذي ينادي به هي استخدامه للسحر والشعوذة ، وادّعاؤه الألوهيّة ، وسخريته من خصمه ، وتقتيل أبناء الذين آمنوا ، وإيذاؤه بني إسرائيل قبل إتيان موسى وبعد مجيئه ! هذا هو سبيل الرشاد عند فرعون .. "وما أمر فرعون برشيد ! "
بينما مؤمن آل فرعون يدعو قومه إلى سبيل الرشاد .. ويبرهن عليه بأنّه يدعو إلى مقتضيات النجاة ، بينما فرعون يدعو إلى مقتضيات النار .. ويفصّل ويبرهن ويجادل بالمنطق تارة ، وبالموعظة تارة .. هنا الاختلاف يتّضح ، وسبيل الرشاد يبدو جليّا..
هناك دائرة يحسن الحديث عنها بما أنّنا تحدّثنا عن سبيل الرشاد، هذه الدائرة لها علاقة بسبيل الرشاد ، إنّها دائرة الصرف عن الآيات !! تبدأ من الآية وتنتصف بالآية وتنتهي إلى الآية ، يقول الله تعالى : " سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق "
هنا الصرف عن الآية .. بسبب التكبّر .. وليس هناك متكبر كالذي ادّعى الربوبيّة !!
ثم يقول سبحانه : "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " وإن ادّعوا أنّهم يهدون إليه !!
" وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا " وإن زعموا أنّهم يتبعون الطريقة المثلى !!
ولكن ما هو سبب الصرف عن الآيات ، لنكمل الآية : " ذلك بأنّهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين " !
إذن صرف فرعون عن الآيات لأنّه كذّب بالآيات !! ولقد كّذب بالآيات لأنّه صرف عنها .. فأصبح إن رأى كل آية لا يؤمن بها ..
ويسطع في الآية وصفٌ مهم جداً وهو " الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " إنّ التكبر على الحق ، والتعالي عليه هو سر الصرف وسر عدم الإيمان بالآيات وسبب التكذيب بالآيات .. ألم يقل ذلك المتكبّر : " وإنّا فوقهم قاهرون " ؟ ألم يقل : " وقد أفلح اليوم من استعلى " ؟ إذن هو ممن يريدون علوّا في الأرض وفساداً فيها ..
إن دعا أحدهم إلى الوسطيّة ، فينظر إلى واقع حاله ، ينظر إلى مراده !! فكلمة الوسطيّة من حيث هي حروف لها معنى معجمي معروف ، ولكن الأهم هو ماذا تعني هذه الكلمة في عقل ناطقها !!
أهل السنة يقولون إن جاء أحدهم باسم لله لم يرد في كتاب ولا سنّة ( كالجهة ، والحيّز والجسم ) نتوقف عن الاسم فلا نثبته ولا ننفيه ، ونسأله : ماذا تعني بهذا الاسم ( لاحظ الاهتمام بالمعنى ) .. فإن وصف وصفا يؤيّده الكتاب والسنة أثبتنا ذلك المعنى وإلا نفيناه ..
فما هي الوسطيّة ؟ وما هي الوطنيّة ؟ وما هي الديموقراطيّة ..الخ !! وبهذا نصل إلى أن تحرير المصطلح خطوة مهمّة أوّلية في أي حوار ناجح مثمر ..
على بن جابر الفيفي
المصدر ياله من دين